الشيخ محمد النهاوندي
287
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
في شرائط قبول التوبة روى بعض العامة عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه سمع أعرابيا يقول : اللهمّ إنّي استغفرك وأتوب إليك . فقال : « يا هذا : إنّ سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذّابين » قال : فما التوبة ؟ قال : « إنّ التوبة يجمعها ستة أشياء : على الماضي من الذنوب الندامة ، وللفرائض الإعادة ، وردّ المظالم ، والاستحلال من الخصوم ، وأن تعزم على أن لا تعود ، وأن تذيب نفسك في طاعة اللّه كما ربّيتها في المعصية ، وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي » « 1 » . عن الصادق عليه السّلام : أنّه سئل عن هذه الآية ، فقال عليه السّلام : « يتوب العبد من الذنب ثمّ لا يعود فيه » « 2 » . وفي رواية : قيل له : وأيّنا لا يعود ؟ فقال : « إنّ اللّه يحبّ من عباده المفتّن التوّاب » « 3 » . وعن الكاظم عليه السّلام في هذه الآية ، قال : « يتوب العبد ثمّ لا يرجع فيه ، وأحبّ عباد اللّه إلى اللّه : المفتّن التائب » « 4 » . وعن الصادق عليه السّلام : « التوبة النّصوح أن يكون باطن الرجل كظاهره ، بل أفضل » « 5 » . ثمّ بيّن سبحانه فائدة التوبة بقوله : عَسى رَبُّكُمْ ويرجى من خالقكم اللطيف بكم أَنْ يُكَفِّرَ ويستر عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وخطيئاتكم . عن الصادق عليه السّلام : « إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه اللّه فيستر عليه في الدنيا والآخرة » قيل : وكيف يستر عليه ؟ قال : « ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب ، ويوحي إلى جوارحه : اكتمي عليه ذنوبه ، ويوحي إلى بقاع الأرض : اكتميى ما كان يعمل عليك من الذنوب ، فيلقى اللّه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب » « 6 » . وَيُدْخِلَكُمْ برحمته جَنَّاتٍ ذات قصور وأشجار كثيرة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قيل : ذكر سبحانه الوعد بصيغة الإطماع جريا على عادة الملوك ، وإشعارا بأنّه تفضّل ، ولأنّ العبد ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء « 7 » ، وذلك اللطف بالمؤمنين وإدخالهم الجنّة يكون في يوم القيامة ، وهو يكون يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ ولا يفضح ، أو لا يخجل النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا به حال كونهم مَعَهُ ومصاحبه نُورُهُمْ وضياء إيمانهم وطاعاتهم كشعاع الشمس يَسْعى ويسير بسرعة على الصّراط بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وقدّامهم وَبِأَيْمانِهِمْ وشمائلهم . قيل : إنّ المراد من جميع جوانبهم وجهاتهم ، وإنّما اكتفى سبحانه بذكر الجهتين لأنّهما أشرف الجهات ،
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 61 . ( 2 ) . الكافي 2 : 314 / 3 ، تفسير الصافي 5 : 196 . ( 3 ) . الكافي 2 : 314 / 4 ، تفسير الصافي 5 : 196 ، والمفتّن : الممتحن ، يمتحنه اللّه بالذّنب ثم يتوب ، ثم يعود ثم يتوب . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 377 ، تفسير الصافي 5 : 196 . ( 5 ) . معاني الأخبار : 174 / 3 ، تفسير الصافي 5 : 196 . ( 6 ) . الكافي 2 : 314 / 1 ، تفسير الصافي 5 : 197 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 10 : 64 .